القرطبي

148

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

مجاهد : " مشكورا " أي مقبولا والمعنى متقارب ، فإنه سبحانه إذا قبل العمل شكره ، فإذا شكره أثاب عليه بالجزيل ، إذ هو سبحانه ذو الفضل العظيم . روي عن ابن عمر : أن رجلا حبشيا قال : يا رسول الله ! فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة ، أفرأيت إن آمنت بما آمنت به ، وعملت بما عملت ، أكائن أنا معك في الجنة ؟ قال : [ نعم والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة وضياؤه من مسيرة ألف عام ] ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ من قال لا إله إلا الله كان له بها عند الله عهد ، ومن قال سبحان الله والحمد لله كان له بها عند الله مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة ] ، فقال الرجل : كيف نهلك بعدها ( 1 ) يا رسول الله ؟ فقال : [ إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضعه على جبل لأثقله . فتجئ النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفد ذلك كله إلا أن يلطف ( 2 ) الله برحمته ] . قال : ثم نزلت " هل أتى على الانسان حين من الدهر " إلى قوله : " وملكا كبيرا " قال الحبشي : يا رسول الله ! وإن عيني لترى ما ترى ، عيناك في الجنة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( نعم ) فبكى الحبشي حتى فاضت نفسه . وقال ابن عمر : فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حفرته ويقول : " إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا " قلنا : يا رسول الله وما هو ؟ قال : [ والذي نفسي بيده لقد أوقفه الله ثم قال أي عبدي لأبيضن وجهك ولأبوئنك من الجنة حيث شئت ، فنعم أجر العاملين ] . قوله تعالى : إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ( 23 ) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم أثما أو كفورا ( 24 ) واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ( 25 ) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ( 26 ) قوله تعالى : ( إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ) ما افتريته ولا جئت به من عندك ، ولا من تلقاء نفسك ، كما يدعيه المشركون . ووجه اتصال هذه الآية بنا قبل أنه سبحانه لما ذكر أصناف الوعد والوعيد ، بين أن هذا الكتاب يتضمن ما بالناس حاجة إليه ، فليس بسحر

--> ( 1 ) في ا ، ح ، و : ( بعد هذا ) . ( 2 ) في ز ، ط ، ل : يتعطف .